رغم التفنيد الأميركي القاطع لمزاعم الكرملين حول ضلوع الولايات المتحدة في تصنيع الأسلحة البيولوجية، إلا أن هذه الأخبار الزائفة تواصل انتشارها حول العالم وبدعم من وسائل الإعلام الصينية، وفقا لما نقلته صحيفة “نيويورك تايمز” الأميركية.
وبعض هذه الشائعات التي تطلقها موسكو زعمت إنتاج الولايات المتحدة أسلحة بيولوجية سرية في أوكرانيا، أو تدريب الطيور على حمل ناقلات المرض إلى روسيا أو إنتاج كوفيد-19 مخبريا وحتى تصنيع فيروس “جدري القردة” في مختبرات في نيجيريا.
ومن بين أبرز هذه المزاعم، تلك التي أطلقتها موسكو خلال الحرب التي شنتها على أوكرانيا منذ ستة أشهر، والتي تتضمن إدارة واشنطن مختبرات سرية في أوكرانيا لنشر الفوضى حول العالم.
ونفت الولايات المتحدة وغيرها هذه الادعاءات واصفة إياها بـ “المنافية للمنطق”. ورغم أن موسكو لم توفر أي حجج تثبت ادعاءاتها، إلا أن هذه الأخبار ظلت تدور “بالأخص مع دعم من دبلوماسيي الصين ووسائل إعلامها” ما ساهم بخلق موجة من نظريات المؤامرة عبر الإنترنت، وفقا للصحيفة.
ولأول مرة منذ أكثر من ربع قرن، دعت روسيا رسميا، هذا الأسبوع من جنيفا، إلى تفعيل جلسات استماع فيما أسمتها بـ “خروقات” لمعاهدة حظر الأسلحة البيولوجية، والتي حظرت، منذ عام 1975، تطوير المواد البيولوجية السامة ومسببات الأمراض واستخدامها كأسلحة.
وكانت إيرينا ياروفاي ، نائبة رئيس مجلس النواب الروسي “الدوما”، قالت الشهر الماضي: “هذا هو صندوق باندورا البيولوجي العسكري، الذي فتحته الولايات المتحدة وملأته أكثر من مرة”.
ويستبعد أي مسؤول أو خبراء غربيون أن تقدم روسيا، خلال الاجتماع الذي يستمر أسبوعا، حقائق تدعم الاتهامات، وفقا لـ “نيويورك تايمز”.
وعلى الرغم من أن المسؤولين الروس وعدوا مرارا وتكرارا بتقديم دليل على أبحاث الأسلحة السرية في أوكرانيا ، إلا أنهم لم يفعلوا ذلك بعد.
من جهتها، قالت وزارة الخارجية الأميركية، في رد على أسئلة حول تلك الادعاءات، إن اتهامات روسيا تستهدف تبرير وتشتيت الانتباه عن غزوها غير المبرر لأوكرانيا.
تحريف حقيقة الأبحاث العلمية
وكالعديد من الادعاءات الروسية، تحاول موسكو تحريف بعض الحقائق، فقبل الحرب على أوكرانيا، حذرت روسيا من أن الولايات المتحدة تقربت إلى جيرانها من أجل إجراء الأبحاث والصناعات الدفاعية، من يبنها بعض الدول التي كانت تابعة للاتحاد السوفيتي سابقا.
وتشير الصحيفة الأميركية إلى أن الولايات المتحدة بالفعل ضخت ملايين الدولارات، في دول تعد أوكرانيا من ضمنها، تحت برنامج “التقليل من التهديدات البيولوجية”، لكنه يهدف أساسا إلى التخلص من بقايا ما عهدته الحقبة السوفيتية من الأسلحة الكيماوية والبيولوجية والنووية بعد الحرب الباردة.
وتضيف الصحيفة أن الولايات المتحدة وسعت دعم مختبرات الأبحاث البيولوجية التي تعد “أساسية” لمراقبة الأمراض والحماية من تفشيها.
وكانت روسيا قد وجهت اتهامات مزيفة لمركز أبحاث ممول أميركيا في جورجيا، التي كانت تابعة سابقا للاتحاد السوفيتي، والتي اجتاحتها روسيا عام 2008.
ومن المتوقع أن تقدم روسيا حجتها، الإثنين، أمام 184 دولة وقعت على معاهدة حظر الأسلحة البيولوجية، وستتمكن الولايات المتحدة وأوكرانيا من الرد على تلك المزاعم في وقت لاحق من الأسبوع القادم.
وتعود “الاستراتيجية الروسية” في نشر الادعاءات الزائفة لفترة الحرب الباردة، ففي عام 1983، قام جهاز الاستخبارات التابع للاتحاد السوفيتي “كي جي بي” بزرع خطاب مجهول في صحيفة هندية يزعم أن وكالة الاستخبارات المركزية صنعت الفيروس المسبب لفيروس نقص المناعة المكتسبة/الإيدز في تجربة في فورت ديتريك بولاية ماريلاند الأميركية، وفقًا لوثائق في الأرشيف الرقمي لمركز “وودرو ويلسون الدولي” للعلماء.
ورغم دحض تلك الفرضية إلا أن نسبة كبيرة من الناس يرون أن الولايات المتحدة مسؤولة بالفعل عن ذلك.
وذكرت دراسة أجراها مركز”RAND” للأبحاث أن “نموذج البروباغندا الروسي اليوم تكيف لاستغلال التكنولوجيا ووسائل الإعلام المتوفرة بطرق لم تكن لتخطر على البال خلال الحرب الباردة”.
وحذر خبراء في مجال حظر الأسلحة البيولوجية خلال حديثهم مع “نيويورك تايمز” من تبعات هذه الشائعات والمواقف الرسمية على أعمال مراكز الأبحاث.
وقالت فيليبا لينتوز، الخبيرة في التهديدات والأمن البيولوجية في جامعة “كينغز كوليدج لندن” للصحيفة إن “الرسالة تتركز على هذه المختبرات، وهذا سيفقد الثقة في تلك البنية التحتية والعمل الذي يتم الاجتهاد فيه.. سيقلل من الأمن البيولوجي للعالم وجهود تحقيق هذا الأمن، وبالتالي فإنها (الاتهامات) لديها تبعات”.