التخطي إلى المحتوى

مسلسل واقعي، فرضته الأزمة التي يمر بها لبنان، حلقاته متشابهة وكذلك أبطاله الذين يجمعهم هدف واحد وهو استعادة ودائعهم من المصارف اللبنانية التي يقتحمونها بالأسلحة الحربية الحقيقية أو البلاستيكية، أما سيناريو نهاية كل حلقة فيختلف، بين من يحقق ما يصبو إليه ومن يفشل في ذلك.

بعد أن كانت عمليات اقتحام المصارف محدودة، تحصل خلال فترات زمنية متباعدة نسبيا، تفاجأ اللبنانيون يوم الجمعة الماضي بـ”موجة اقتحامات” طالت عدداً كبيراً من المصارف في مناطق مختلفة، مع توقع أن تشهد الأيام القادمة مزيداً من العمليات المشابهة، وسط الخشية من أن تخرج الأمور عن السيطرة، بعد أن مرت الاقتحامات السابقة بسلام.

ثلاث سنوات انتظر خلالها المودعون أن تعيد الدولة حقوقهم، وأن تدفع المصارف أموالهم التي احتجزتها من دون مسوغ قانوني، لكن حتى الحلول التي يجري مناقشتها بين الحين والآخر كقانون “الكابيتال كونترول”، ليست بصالحهم، ومع اشتداد الأزمة الاقتصادية، وارتفاع سعر صرف الدولار بصورة خيالية، وتدهور القدرة الشرائية، لم يجد عدد من المودعين أمامهم سوى استرداد حقوقهم بالقوة.

عمليات اقتحام المصارف دفعت وزير الداخلية اللبناني، بسام مولوي، إلى الدعوة لاجتماع طارئ لمجلس الأمن الداخلي المركزي للبحث في الإجراءات الأمنية التي يمكن اتخاذها في ضوء الأحداث المستجدة، وعقب الاجتماع اتهم في تصريح “جهات” بدفع الناس إلى تحركات ضد المصارف، لافتاً إلى أنه لا يمكنه الإفصاح عن التفاصيل لسرية التحقيق ونتعامل بحكمة مع الموضوع، “هدفنا حماية البلد والمودعين ولا يجب أن يدفع أحدهم المودع للإضرار بالوضع الأمني في البلد، وتشدّدنا بالإجراءات الأمنيّة ليس هدفه حماية المصارف وإنما حماية النظام اللبناني”.

وأشار مولوي إلى أن “مدّعي عام التمييز اتّخذ إشارة خطيّة حول هذا النوع من التصرفات والقوى الأمنية كان لديها قرار بالتشدد بتطبيق القانون لحماية كل البلد”.

جدل قانوني

للدفاع عن حقوق المودعين وإيصال صرختهم، نشأت عدة جمعيات، منها “جمعية المودعين”، وبحسب ما أكد المحامي فيها، حسن بزي، فإن “الدخول إلى مؤسسة عامة أو خاصة مشرّعة أبوابها لا يعتبر احتلالاً، ما يلغي جرم الدخول بالقوة”.

يستند المحامون في الدفاع عن المودعين الذين يقتحمون المصارف، على المادة 184 من قانون العقوبات اللبناني، المتعلقة بحق الدفاع المشروع، أو استيفاء الحق تحكماً حيث تنص على أنه “يعد ممارسة حق كل فعل قضت به ضرورة حالية لدفع تعرض غیر محق ولا مثار على النفس، أو الملك أو نفس الغير أو ملكه، ويستوي في الحماية الشخص الطبيعي والشخص المعنوي”.

وتنص “المادة 228 – عقوبات” على أنه “إذا أفرط فاعل الجريمة في ممارسة حق الدفاع المشروع، لا يعاقب إذا أقدم على الفعل في ثورة انفعال شديد انعدمت معها قوة وعيه أو إرادته”.

لكن في ذات الوقت يمنع القانون اللبناني، استيفاء الحق بالذات، في شروط معينة نصت عليها المادة 429 من قانون العقوبات اللبناني، حيث جاء فيها بحسب محافظ بيروت السابق القاضي، زياد شبيب، “من أقدم استيفاء لحقه بالذات وهو قادر على مراجعة السلطة ذات الصلاحية بالحال على نزع مال في حيازة الغير أو استعمال العنف بالأشياء فأضر بها عوقب بغرامة لا تتجاوز المائتي ألف ليرة”.

ويضيف القاضي شبيب في حديث لموقع “الحرة”، “تشدد المادة 430 العقاب إذا اقترف الفعل المذكور في المادة السابقة بواسطة العنف على الأشخاص أو باللجوء إلى إكراه معنوي بسجن الفاعل ستة أشهر على الأكثر فضلاً عن الغرامة المحددة سابقاً، وتكون عقوبته الحبس من ثلاثة أشهر إلى سنتين إذا استعمل العنف أو الإكراه شخص مسلح أو جماعة من ثلاثة أشخاص أو أكثر ولو غير مسلحين”.

كما يلفت إلى أن المادة 431 من قانون العقوبات اللبناني تنص على “توقف الملاحقة على شكوى الفريق المتضرر إذا لم تقترن الجنحة المذكورة بجريمة أخرى تجوز ملاحقتها بلا شكوى”.

في الوقت الذي يرى القاضي شبيب أن اقتحام المصارف يثير جدلاً قانونياً، يرى بزي أن “شروط عدم ملاحقة المقتحمين للمصارف متوفرة قانونياً، في ظل اعتكاف القضاة، فلو تمكّن المودع من مراجعة القضاء ثم أخذ حقه بالقوة لانطبقت عليه المادة 429 من قانون العقوبات، لكن نحن أمام تطبيق المادة 184، كون ليس لدى المودع مرجعية ليستوفي حقه، فالقضاة مضربون عن العمل، والمصارف لا تستجيب لأحكام العقود القانونية بينها وبين المودعين، أما حالة الضرورة فتتمثل بتحصيل الأموال من أجل القدرة على العيش والطبابة والتعليم”.

ويشدد المحامي في حديث لموقع “الحرة” على أنه “لم يسترجع المودعون وديعتهم أو جزء منها بالسرقة، أي أنهم لم يأخذوا مبلغاً من الصندوق قبل أن يغادروا المكان، بل وقّعوا على إيصال بقيمة ما استلموه من أموال، وهذا الفعل غير مجرم”.

وفيما يتعلق بتعامل القوى الأمنية والقضاء مع مقتحمي المصارف، يشير إلى أن “أحد المودعين أطلق سراحه بعد أن أسقط المصرف حقه، وعند إسقاط الحق الشخصي يسقط الحق العام، كما أن النيابة العامة اعتبرت ما حصل بمثابة استيفاء للحق تحكماً، إلا أننا ننتظر ما ستتخذه النيابة العامة بحق باقي المقتحمين لنبني على أساسه دفاعنا”.

واليوم اعتصم عدد من الثوار وأهالي الموقوفين، محمد رستم، وعبد الرحمن زكريا، اللذين ساعدا المودعة، سالي حافظ، باقتحام “بنك لبنان والمهجر” للحصول على وديعتها الأسبوع الماضي، أمام قصر العدل في بيروت، للمطالبة بإطلاق سراحهما، وقد حصل إشكال بينهم وبين عناصر من الجيش اللبناني، الذين حاولوا إبعادهم عن مدخل القصر.

دعوى نوعية

الوديعة ليست مالاً نقدياً موجوداً فعلياً في صندوق أو خزينة المصرف، بل هي التزام قانوني، بحسب ما يقول القاضي شبيب الذي يشدد على أن “سياسة إغلاق المصارف لأبوابها منذ بدء الأزمة في عام 2019 حتى يومنا وإقناعها المودعين بأن جزءا كبيرا من ودائعهم تبخر، هي التي تدفع المودعين للتفكير بالقيام بعمليات الاقتحام التي يعاقب عليها القانون من حيث المبدأ، ولو كان هناك حلول أخرى لكان المودعون اتبعوها”.

اقتحام المصارف تزامن مع دعوى نوعية تقدمت بها نقابة المحامين في بيروت قبل أيام، تتعلق كما يقول القاضي شبيب “بوديعة النقابة في أحد المصارف بعد توقفه عن الدفع لها، وذلك استناداً للقانون 2 / 67 الذي يعالج وضع المصارف حين تتوقف عن الدفع، وهو ينص على إجراءات خاصة يمكن للمحكمة اتخاذها في مثل هذه الحالة”.

النقابة ستسير بذات الدعوى مع بقية المصارف التي تملك ودائع فيها، بحسب ما يؤكد المحامي بزي معتبراً أنها “تشكّل بذلك نموذجاً لأي مودع يرغب في تقديم دعوى التوقف عن الدفع، لرفع يد مجلس الإدارة عن المصرف الممتنع عن الدفع، ومن ثم إدارته من قبل المحكمة من خلال تعيينها مديراً مؤقتاً يرى الصالح العام للمودعين، ويتخذ القرارات الملائمة لحمايتهم”.

ما يخيف المصارف أكثر من عمليات الاقتحام، بحسب القاضي شبيب أن “تصل دعوى نقابة المحامين، إلى النتيجة القانونية المباشرة الأولى التي تترتب عليها، وهي أن تقرر المحكمة تعيين مدير مؤقت للمصرف خلال أيام من تاريخ تقديم الدعوى، ما يعني كف يد القائمين عليه، وبعد ذلك تقرر المحكمة تعيين لجنة لإدارته يتمثل فيها مختلف الأطراف المعنيين بالمصرف، من وزارة المالية ومصرف لبنان والمساهمين والدائنين ليس للقيام بتصفية المصرف وإعلان إفلاسه وتوزيع الديون، إنما للعمل على تصحيح الأخطاء في الإدارة، ومحاولة إعادة استئناف عمل المصرف وفق كل السبل المتاحة”.

في مقابل دعوى النقابة التي تشمل مصرفاً واحداً حتى الآن، هناك بحسب القاضي شبيب “أصوات تعبّر عن موقف المصارف مجتمعة، وهي تصدر عن مصرفيين واقتصاديين وحتى حقوقيين وإعلاميين، تهدف إلى التخويف من مثل هذه الدعاوى، بحجة أنها تؤدي إلى إفلاس المصارف وعندها فإن المتضرر الأكبر سيكون المودعين، لكن ذلك يدخل في إطار التهويل ليس أكثر”.

وتفرض المصارف اللبنانية منذ خريف 2019 قيودا مشددة على سحب الودائع المصرفية لا سيما تلك المودعة بالدولار الأميركي، في ظل تراجع قيمة الليرة أكثر من 90 في المئة أمام الدولار، وقد صنّف البنك الدولي أزمة لبنان الاقتصادية من بين الأسوأ في العالم منذ عام 1850.

من جانبها مارست جمعية المصارف كما يقول القاضي شبيب “سياسة التضامن فيما بينها، للحؤول دون التعرض للتدابير التي ينص عليها القانون 2 / 67، كما اعتمدت سياسة موحدة في التعامل مع المودعين بصرف النظر عن الاختلافات المالية لكل مصرف ومدى تورطه في عمليات تسليف خطرة في الفترة الماضية، فليست كل المصارف متعثرة مالياً أو متوقفة عن الدفع فعلياً، إلا أنها اتبعت السياسة المعممة”.

وعن سبب اختيار المصارف لهذه السياسة يشرح “كونها قد توصل في نهاية المطاف إلى التمكن من اقتطاع نسبة كبيرة جداً من الودائع، بعد اقناع المودعين بأن قسماً كبيراً منها تبخر، بدليل أن الاحتياطات والموجودات لدى هذه المصارف تضاءلت كثيراً وكذلك احتياطات مصرف لبنان، فيما الودائع سلفتها المصارف لمصرف لبنان الذي بدوره سلفها للدولة اللبنانية، أو سلفتها المصارف مباشرة للدولة من خلال الاكتتاب بسندات الخزينة، وبالتالي الدولة عاجزة عن الرد عجزاً مرحلياً، كذلك مصرف لبنان والمصارف عاجزة عن رد ما هو بذمتها من ودائع”.

وتساءل “من يقول إن المطلوب هو استرداد كامل الودائع، فهذا المنطق معاكس ومناقض لمبدأ وجود المصارف، ولفكرة علاقة المودع بالمصرف، فالمودع يضع أمواله في المصرف إما للمحافظة عليها أو لاستثمارها، ولا أحد يضع وديعة ويرغب في سحبها كلها، إلا عندما يقول له المصرف أنه سرقها، أو أن الدولة قامت بذلك ولن تستطيع ردها، ففي ظل هذه الحالة النفسية العامة الشاملة تظهر هكذا رغبة”.

من جانبه يلفت بزي إلى أن “معظم الذين اقتحموا المصارف هم من المحازبين أي الذين ينتمون إلى أحزاب السلطة، ما يسقط نظرية المؤامرة، كون كما يعلم الجميع لا يمكن الاتفاق بين مجموعات الثورة والمجموعات الحزبية”، من هنا توجه إلى وزير الداخلية بالقول “حتى إن فشلت في فهم الواقع، فإنه ليس مسموحاً أن تهوّل على المواطنين، من خلال إيهامهم بوجود مؤامرة أجنبية لإسقاط القطاع المصرفي، فمن أسقط هذا القطاع هي السلطة السياسية وليس المودعين”.

مدخل الحل

بعد عمليات الاقتحام التي شهدتها المصارف يوم الجمعة الماضي، أعلنت جمعية مصارف لبنان إغلاق أبوابها لمدة ثلاثة أيام بدءاً من اليوم الاثنين، مشيرة في بيان إلى أنها تنبذ العنف بكافة أشكاله، معتذرة “من كافة المودعين عن أي إزعاج أو تأخير قد ينتج عن هذا الإقفال كون سلامة موظفيها وزبائنها تأتي في رأس الأولويات التي تضعها المصارف نصب أعينها إضافة إلى مصالح المودعين التي تحاول تأمينها بقدر المستطاع في الظروف الحالية الصعبة التي تمر بها البلاد”.

وأضافت الجمعية أن حل المشكلة لا يكون بالاقتحامات، بل “بإقرار القوانين الكفيلة بمعالجة الأزمة بأسرع ما يمكن، عبر خطط شاملة تأخذ بعين الاعتبار كافة المسببات وتقوم بمعالجتها بشكل متكامل”، مناشدة “الدولة بكامل أجهزتها السياسية والأمنية والقضائية بتحمل أدنى مسؤولياتها إزاء تدهور الوضع الأمني وعدم التخاذل مع المخلين به، وسوقهم إلى المحاكم المختصة لكي يحاكموا محاكمة عادلة. هذا علماً بأن المصارف لن تتأخر بعد اليوم عن ملاحقة المعتدين حتى النهاية”.

علّق وزير الداخلية والبلديات على قرار جمعية المصارف، معتبراً أنه “طالما أن المصارف أغلقت أبوابها فهذا يدلّ على أن المودعين هم الأكثر تضرراً من هذه التصرفات”، وتوجّه إلى المودعين بالقول “حقوقكم لا يمكن أن تستردوها بهذه الطريقة لأنّها تهدم النظام المصرفي وتؤدي إلى خسارة بقية المودعين لحقوقهم”.

كل ما يحصل في لبنان يشير إلى أن السلطة السياسية تهدف، كما يرى بزي، “إلى إفلاس البلد بشكل متعمد، والدليل على ذلك الإضرابات التي يشهدها القطاع العام منذ عامين، الأمر الذي كلّف الدولة نحو خمسة آلاف مليار ليرة بين رسوم وجعالة وضرائب، في وقت كان بالإمكان تسيير أمور البلد بألف مليار ليرة، لكن من الواضح أن هذا الإضراب يهدف إلى إغراق لبنان أكثر في مشاريع خارج الحدود”.

وكان المجلس التنفيذي لاتحاد نقابات موظفي المصارف في لبنان، أعلن يوم الخميس الماضي، أن “أي اعتداء جسديٍ أو لفظي أو معنوي على أي موظف في القطاع المصرفي هو تعد على كرامة كل العاملين في المصارف” وطالب المجلس في بيان، السلطتين التنفيذية والتشريعية “عدم الاستمرار في المماطلة وإقرار قانون الكابيتال كونترول خلال الشهر الحالي من أجل تنظيم العلاقة بين المصارف وعملائها خلال هذه المرحلة التي تحتاج إلى قوانين استثنائية تساهم في طمأنة المودعين على مصير أموالهم”.

وأكد المجلس “رفضه ما ورد في خطة التعافي الاقتصادية التي أقرتها حكومة تصريف الأعمال والتي حملت المودعين والمصارف القسم الأكبر من الخسائر، في حين مطلوب من الدولة تحمل المسؤولية والاعتراف بأنها هي التي صرفت أموال المودعين خلال السنوات الثلاثين الماضية من دون أي حسيب أو رقيب”، مطالبا المجلس النيابي بكل مكوناته “الإسراع في تخطي الاستحقاقات الوطنية من انتخاب رئيس للجمهورية وتشكيل حكومة تتولى معالجة الانهيار المالي بواقعية وتنهي التفاوض مع صندوق النقد الدولي بتوقيع اتفاقية تراعي ظروف اللبنانيين الحياتية وتؤدي إلى إعادة الودائع إلى أصحابها”.

مدخل حل هذه الأزمة يبدأ بحسب ما يرى القاضي شبيب “بعودة العلاقة بين المودعين والمصارف إلى أسسها وطبيعتها، وذلك يكون من خلال إقرار المصارف التزامها بالحفاظ على الودائع، وتمكين المودعين من سحب أموالهم ولو بالحد الأدنى والقيام بالتحويلات والعمليات المصرفية التي يحتاجونها، عندها تنتفي رغبتهم بسحب كامل وديعتهم، وما يؤكد ذلك أن كل الذين اقتحموا المصارف بالقوة في الأيام الأخيرة كان لديهم حاجة ماسة جداً للأموال بسبب مرض أو وضع اجتماعي معين، وفي ذات الوقت لم يطالب أحد منهم بسحب كامل وديعته، بل حاولوا سحب حاجتهم فقط”.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.