نحو رفع سقف النشر | عبداللطيف الزبيدي

هل تطوف بذهنك فكرة يمكن أن تضيف إنجازاً إلى النشر؟ الإمارات قادرة، مادياً وإدارياً، على إطلاق نشر إلكتروني للعالم العربي، ولكن بمعايير فائقة. إذا كان لا بد من قياس وتمثيل، فعلى غرار «جاليمار» الفرنسية. مقاييسها صعبة متشددة، لكنها فخر لمن تنشر له.
النشر الرفيع يقوم على منظومة قيم. مثلاً: في الشعر، من الضروري أن تجمع القصائدَ وحدةٌ في الأسلوب، تكون بمثابة الحمض النووي الواحد في كل الخلايا. الإبداع تجارب حرة، لكن الحرية يجب ألاّ تكون مثلما يقول المثل الشعبي «تجربة الحجامة، في رؤوس اليتامى». لا يجوز أن يصبح شاعراً كل من لملم كحاطب ليل حفنة من الفعل والفاعل والمفعول. بل لا ينبغي لدور النشر ووسائط الإعلام أن تنشر نصوصاً لا تتوافر فيها منظومة قيم جماليّة وفنيّة بدعوى حريّة الإبداع وتشجيع المواهب، فإذا المنشور لا يقيم وزناً لمئات الملايين من الناطقين بالعربية. وحدة الأسلوب مهمّة أيضاً في الرواية والمجموعات القصصيّة. ثمّة حاجة ماسّة في البلدان العربية إلى رفع السقوف، فلا شيء يهبط بالقيم الجمالية والفنّيّة والأدبية، كترك الساحة «وكالة بلا بوّاب»، بذريعة حرية التعبير. تأمّل ما حدث ويحدث في العقود الأخيرة، جرّاء انفلات المقاليد والتساهل أمام التحرّر من القيود. انهيارات بالجملة، حتى لم تعد أيّ جهة قادرة على الضبط والربط.
هنا يجب إبراز الأضرار الناجمة عن ازدواجية المكاييل. تعال نسلّم بأن الرقابة تغدو آفة مؤذية حين تخنق حريات الفكر والإبداع، وتتخطى حدود الحفاظ على سلامة اللغة والقيم الجمالية، لكنّ للحريات حدوداً، وإلاّ فما رأيك في مدن بلا شرطة ولا قوانين ولا ضوابط، ولا أمان؟ إذا كان التعدّي على ممتلكات الغير وحرماتهم وحصانة حياتهم جناية، فلماذا يكون انتهاك حرمة اللغة والموسيقى والذوق العام، أمراً غير ذي بال كركل حصاة في الطريق؟
النشر في مستوى رفيع برفع السقوف، يجعل الدار المنشودة تحس بالمسؤولية والأمانة إزاء أربعمئة مليون نسمة، لهم لغة خليقة بالحب والرعاية، جديرة بالعناية سلامةً وجمالاً. حين ترفع دار النشر السقف، فإنها توقّع مع الثقافة العامّة والرأي العام، ميثاق شرف: لن أخذل لغتي، لن ألقي بها إلى حيث ألقت.
لزوم ما يلزم: النتيجة النفعيّة: بالنشر الإلكتروني يربح الناشر والمؤلف والقارئ، فأكثر من نصف سعر الكتاب يلتهمه التوزيع.
[email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top