التخطي إلى المحتوى

في وقت أصبحت فيه الإنترنت وسيلة التواصل الرئيسية في العالم، حققت دول الخليج العربي مكانة متقدمة في جودة تقنيات الاتصال وخدماتها من حيث مدى التغطية وسرعة الإنترنت لتصبح من الدول الرائدة عالمياً، بحيث استطاعت أن تحتل أربعة مراكز من أصل أعلى عشرة مراتب من حيث سرعة إنترنت الهاتف المحمول على مستوى العالم.

ولم يكن هذا الإنجاز وليد الصدفة، بل جاء ثمرة رؤية صحيحة وجهود متواصلة كرست فيها الحكومات في دول الخليج ومشغلي شبكات الاتصالات اهتمامها واستثماراتها في مجال تطوير البنية الرقمية الأساسية لهذا القطاع الحيوي الهام. حيث أن هذا الاستثمار ينعكس إيجابيًا على نمو الدول، فبحسب دراسة أعدت في السويد أن مجرد رفع سرعة الإنترنت 10 في المئة يساهم بشكل مباشر وغير مباشر في ارتفاع الناتج المحلي للبلد بمقدار 1 في المئة ويساهم في خلق المزيد من الوظائف عالية الجودة. اليوم يستطيع مستخدمو الجهاز المحمول تحميل فيلم عالي الدقة خلال أقل من 3 دقائق وهو ما كان يستغرق أكثر من 6 ساعات قبل بضع سنوات.

وقد تزامن ارتفاع سرعة الإنترنت واستقراره في دول الخليج مع الوعي بالأمن السيبراني وأهمية ضمان أمن المعلومات وحمايتها في دول الخليج العربي، فعلى سبيل المثال تحتل السعودية والإمارات على التوالي المركزين الثاني والخامس عالمياً في تصنيف منظمة الاتحاد الدولي للاتصالات ITU لمؤشرات الأمن السيبراني. وهو ما دعم نجاح دول المنطقة بالاستمرار في الجمع بين استقرار وأمان خدمات قطاع الاتصالات أو -الموصلات كما يطلق عليه أحيانًا-. والذي بدوره يعد الشريان الرئيسي الذي تقدم عبره خدمات الإنترنت والخدمات الرقمية، لكن الفترة القادمة قد تشكل تحديات مختلفة لدول المنطقة وذلك لعدة عوامل رئيسية:

أولًا: استمرار النقص في الكوارد البشرية المتخصصة في مجال الأمن السيبراني: فوفقاً للدراسات الدولية هناك عجز عالمي يقدر بقرابة 2,7 مليون في وظائف الأمن السيبراني. ولا توجد أرقام مؤكدة عن منطقة الخليج لكن نسبة الفجوة كبيرة والعجز يكون أكبر حين تبحث عن موظفي أمن سيبراني متخصصين في مجالات اكثر دقة مثل شبكات الاتصالات والخدمات السحابية. لذا يجب أن تسارع دول المنطقة إلى تأهيل مختصي الأمن السيبراني المرنة والتقنية لتطوير وتأمين كفاءات في مجالات مختلفة في كل القطاعات الحيوية عبر برامج نوعية ضمن خطط وطنية مدروسة.

ثانيًا: تسارع تبني تقنيات لم تستوفي معايير الأمان المعهودة في قطاع الاتصالات. فعلى سبيل المثال، تقنية مثل الأوران ( (O-RANوالتي تتبنى فكرة أن مكونات شبكات الاتصالات اللاسلكية يمكن جمعها من مختلف المصنعين وخلق شبكة يصعب اختبارها، تجمع كل ثغرات مصنعي تلك المكونات. وهو أمر يحتاج إلى دراسة ووضع الضوابط له التي تضمن عدم تعريض شبكات الاتصالات لمخاطر تقنيات لم يثبت استيفاءها للمعايير الأمنية.

ثالثًا: تسارع تبني الخدمات السحابية ونقل البيانات الحكومية والجهات السيادية للخدمات السحابية وهو أمر إيجابي رغم التأخر نظرًا كونه يعود بفوائد كثيرة؛ مثل خفض التكاليف وسرعة إطلاق الخدمات والمستوى المرتفع لأمان مزودي الخدمات السحابية العالمية مثل شركة هواوي وغيرها. لكن يظل السبب الأول لحوادث أمن الخدمات السحابية هو سوء الاستخدام من قبل عملاء تلك الخدمات من حيث أخطاء في الإعدادات أو صلاحيات الوصول أو غيرها. إذ يجب التحقق من وضع خطط مناسبة للانتقال الآمن للسحابة والتأكد من التعامل مع تلك المخاطر بعناية تمنع حصول أخطاء من قبل الجهات المستفيدة ومستخدميها.

في وقت تتزايد فيه اعتمادتنا على تقنيات التواصل يجب تعزيز التعاون بين كافة أطراف قطاع الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات (مالكي ومشغلي البنية التحتية الحيوية، ومختلف الكيانات الحكومية، والمنظمات غير الحكومية) لمواجهة التهديدات والتحديات المتزايدة في مجال استخدامات تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، وذلك من أجل النهوض بأمن ومرونة البنية التحتية الحيوية للقطاع وقدرتها على التكيف مع الظروف المتغيرة، ما يجعلها موضع موثوقية لكل من يعتمدون عليها لأداء أعمالهم اليومية وتقديم الخدمات للآخرين.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.