gtag('config', 'G-7WKYR7JNG2'); التخطي إلى المحتوى

لم تكن تعرف لافانيا مارافيني أن مكالمة الفيديو التي أجرتها مع زوجها، شهر مارس الماضي قبل توجه أبنائها إلى المدرسة، ستكون آخر محادثة تجمعهم، فمع حلول المساء وعودتهم كان قد رحل إلى الأبد.

اليوم، ورغم مرور 8 أشهر على الحادثة ما تزال الأسرة المكلومة في انتظار معرفة ظروف وأسباب وفاة الأب الذي كان قيد حياته، عاملا في قطاع البناء بقطر؛ ففي الوقت التي تذكر فيه شهادة وفاة قطرية أن السبب كان “قصور القلب الحاد لأسباب طبيعية”، تقول زوجته إنه كان تحت ضغط ساعات العمل الطويلة والمرهقة، بينما كانت الدوحة تسابق الزمن لاستقبال المونديال.

وتكشف الزوجة لافانيا مارافيني التي قدرت، أن زوجها كان يكسب ما بين 500 و600 دولار في الشهر، أكد لها في كثير من المرات أن “العمل كان شاقا.. لكنه واصل العمل من أجل مستقبل أطفالنا”، حسب تصريحاتها لواشنطن بوست.

وأضافت أن شركة البناء التي كان يعمل بها، أرسلت لهم شيكا بقيمة 3000 دولار لتغطية الأجور المتأخرة والمزايا الأخرى، غير أنها ترى أن وفاته كان يمكن تفاديها، حيث أغمي عليه قبل أسابيع من رحيله، بسبب انخفاض ضغط الدم، لكنه عاد بعدها مباشرة إلى العمل.

“دموع وديون”

وتؤكد منظمة هيومن رايتس ووتش، وهيئات حقوقية أخرى، أن أرباب العمل ووكالات التوظيف ارتكبت طيلة الـ12 عاما التي سبقت تنظيم المونديال، “مجموعة من الانتهاكات” بحق العمال الوافدين، من خلال “استغلال حاجتهم للعمل ونقص الفرص في بلدانهم”. 

وأشارت المنظمة إنه في إحدى أغنى دول العالم، “عاش العمال الوافدون في ظروف رديئة في مساكن مكتظة”، مضيفة في بيان جديد لها، أنه رغم تشييد البنية التحتية المتطورة التي تبلغ قيمتها مليارات الدولارات، كان “معظم العمال الوافدين ذوي أجور منخفضة، وحتى مع النظام الصحي المتطور، تُركت عائلات الضحايا في دول مختلفة بأنحاء آسيا وأفريقيا دون معلومات عن الأسباب وراء وفاة أحبتها”.

وخلفت وفيات العمال، بحسب واشنطن بوست، “حزنا وديونا” لدى عائلاتهم، بالإضافة حالة من “عدم اليقين المؤلم” بشأن الطريقة التي ماتوا بها.

وتقول منظمات حقوقية إنه على مدار سنوات لم يكن هناك نظام وإرادة للتحقيق الجاد في الوفيات المسجلة، مع “حجب العدد الحقيقي للضحايا بشهادات رسمية تعزو أسباب الموت إلى ظروف طبيعية”.

وأضافت الصحيفة، أن قطر ترفض الارقام التي أصدرتها المنظمات الحقوقية والتي نشير إلى تسجيل آلاف الوفيات،  من خلال الإصرار على أن العمل في البنيات التحتية باستثناء الملاعب لا علاقة له ببطولة كأس العالم.

“تحول”

وتشدد الحكومة القطرية، على أن ثلاث وفيات فقط في صفوف العمال، كانت مرتبطة بشكل مباشر باستعدادات الدوحة لاحتضان المونديال. 

وتشير الصحيفة، إلى أن عدم اليقين بشأن أسباب الوفيات المسجلة، إلى جانب الأسئلة العالقة حول العديد من الحالات المماثلة، “أمر محير”، بالنظر إلى تحرك قطر لتحسين ممارساتها العمالية، وذلك من خلال منح العمال المهاجرين حدا أدنى للأجور وإمكانية تغيير الوظائف وتحديد ساعات العمل خلال الأشهر الحارة والتعهد بمعاقبة أصحاب العمل الذين يخالفون هذه القواعد.

وتقول اللجنة المنظمة لكأس العالم في قطر، إنها حسنت قوانين العمل الخاصة بها، ورفعت من معايير وحقوق العمال منذ منحها شرف تنظيم المونديال.

في هذا السياق، أشاد الاتحاد الدولي لنقابات العمال الذي كان أكبر مطالب بتحسين شروط عمل المهاجرين في قطر، بـ”التحول” الذي قامت به الإمارة في هذا المجال، وذلك في تصريحات لرئيسة الاتحاد لفرانس برس شهر أكتوبر الماضي.

وأطلقت قطر مجموعة من الإجراءات الي تقول المنظمات الحقوقية، إنها مهمة وستوفر حماية أفضل للعمال إذا تم تنفيذها بالكامل.

في هذا الجانب، تبرز هيومن رايتس ووتش، أن السلطات القطرية أطلقت إصلاحات مهمة في مجال العمل والكفالة، لكن العديد من العمال الوافدين لم يستفيدوا، إما لأن الإصلاحات أتت متأخرة، أو لسوء تنفيذها.

مطالب بالتعويض

ويطالب العمال المهاجرون وعائلاتهم بتعويضات من “الفيفا” وقطر عن الانتهاكات، الوفيات غير المفسرة، التي تعرض لها العمال أثناء تجهيز البنيات التحتية لكأس العالم.

وقبيل انطلاق منافسات البطولة غدا الأحد، أصدرت هيومن رايتس ووتش فيديو مدته خمس دقائق يطالب فيه العمال وعائلاتهم ومشجعو كرة القدم من الدول الأصلية للعمال، بتعويض الضحايا.

ويشكل العمال المهاجرون الغالبية العظمى من سكان قطر، حيث يعمل العديد من العمال النيباليين والبنغلادشيين والباكستانيين والهنود في وظائف منخفضة الأجر، في قطاع البناء وغيره، ولعبوا حسب واشنطن بوست، دورا مركزيا، في تشييد البنية التحتية للمونديال، ليس فقط الملاعب ولكن الطرق السريعة وخطوط المترو والفنادق.

ويمثل الهنود أكبر مجموعة مهاجرة في قطر؛ وقالت وزارة الخارجية الهندية إن قرابة 2400 من مواطنيها لقوا حتفهم في قطر بين عامي 2014 و2021، دون تحديد سبب الوفيات.

وأضافت الوزارة الهندية في فبراير، أن قطر تصدرت قائمة الدول التي يطالبها الهنود بتعويضات عن وفيات العمال، مع وجود 81 حالة معلقة.

في هذا الجانب، يقول ريجيمون كوتابان، صحفي هندي يغطي قضايا المهاجرين، إن الحكومة الهندية كانت مترددة في تقديم معلومات أكثر تفصيلا، مضيفا لهيومن رايتس ووتش، أن سلطات بلاده “تتدخل في البيانات للحفاظ على العلاقات الدبلوماسية والصداقة الطيبة” مع قطر.

وأضاف أنه بالنظر إلى أن الشهادات التي تصدر عن قطر غالبا ما تشير إلى أن أسبابا طبيعية وراء الوفيات، يبقى من الصعب إثبات أسباب وفاة العمال، بالرغم من تأكيد أسر وزملاء الضحايا أن “الرطوبة أو العمل الإضافي أو الإجهاد والضغط النفسي”ّ.

وينحدر مارافيني الذي توفي شهر مارس، من قرية شيفانغالابالي في جنوب الهند، ويعمل مع شركة بوم كونستراكشن في قطر منذ عام 2007، وفقا لنسخة من رسالة أرسلتها الشركة إلى زملائه في العمل بعد وفاته وراجعتها صحيفة واشنطن بوست.
وبحسب الصحيفة ذاتها، “لم ترد الشركة على الطلبات المتكررة للتعليق أو على قائمة الأسئلة التفصيلية حول تاريخ توظيف مارافيني أو ظروف وفاته”.

وقال موظف في الشركة لمراسل “واشنطن بوست” الذي زار مكاتب الشركة في الدوحة يوم الخميس، أن رئيس الموارد البشرية، الذي كتب الرسالة، “لا يتواجد في المكتب”.

“من أجل أطفالنا”

وتقول لافانيا، 36 سنة، إن زوجها الراحل كان يعمل في دوام يمتد إلى 12 ساعة وأحيانا أكثر، مشيرة أن الفترة التي سبقت كأس العالم، عرفت ازدياد ضغط العمل بشكل كبير، وفي درجات حرارة تتجاوز 43 درجة مئوية.

من جانبه، قال عامل آخر من معارف مارافيني تحدث للصحيفة، شريطة عدم الكشف عن هويته: “هناك الكثير من الأعمال التي تجري في قطر بوتيرة سريعة للغاية”. 

وأضاف العامل الذي يشتغل في شركة مختلفة في قطر: “في العادة أعمل في دوام من ثماني ساعات، لكنني الآن أعمل 12 ساعة في اليوم”.
وبالنسبة لعائلة مارافيني، تشير الصحيفة إلى أن حياتها، تغيرت بشكل كلي. وقالت لافانيا، إنه بدون تحويل 350 دولارا شهريا من زوجها، تعيش الأسرة اليوم على 80 دولارا تكسبها كل شهر، عن طريق لف السجائر يدويا.

وأُجبر الأطفال الثلاثة – أحدهم يعاني من تشوه خلقي – على ترك مدرستهم الخاصة والذهاب إلى مدرسة عمومية، بحسب زوجة الراحل التي تقول: “هل يمكنك تخيل حياة أرملة؟” إنها “تبدو الحياة بلا معنى بدونه، ولا أرغب في العيش وهو غير موجود، لكن لا بد لي من ذلك.. من أجل أطفالنا”.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *