التخطي إلى المحتوى

شغلت مداخلة رئيس الحكومة الإسبانية، بيدرو شانشيز، وسائل الإعلام المحلية، الخميس، إذ تساءلت عناوين صحفية عدّة، حول السر وراء عدم تأكيده على تأييد مدريد للمقترح المغربي، لحل قضية  الصحراء الغربية.

وشهر مارس الماضي، أعلن شانشيز عن دعمه مقترح الحكم الذاتي المغربي، بخصوص الصحراء الغربية، ما اعتبره متابعون تغيرا تاريخيا في موقف إسبانيا التي التزمت الحياد بالخصوص، لعقود، وهو إعلان أثار استحسان الرباط.

وخلال مداخلته أمس في الجمعية العامة للأمم المتحدة، المنعقدة في نيويورك، شدد سانشيز على أن إسبانيا “ستواصل دعم الشعب الصحراوي” بينما تحاشى ذكر خطة الحكم الذاتي التي اقترحها المغرب” وفق ما أوردته صحيفة “بوبليكو” الإسبانية.

سانشيز ذهب لأبعد من ذلك وقال “فيما يتعلق بمنطقة مهمة جدا لإسبانيا مثل الصحراء الغربية، تدعم إسبانيا حلا سياسيا مقبولًا للطرفين في إطار ميثاق الأمم المتحدة وقرارات مجلس الأمن” معلنا في السياق دعمه للمبعوث الأممي للصحراء الغربية، في إشارة إلى ستافان دي ميستورا، الذي قام بجولة للمنطقة خلال الفترة الماضية.

فهل يمكن اعتبار ما جاء على لسان سانشيز تغيرا جديدا في موقف إسبانيا من الصحراء الغربية؟ وهل يعتبر ذلك خسارة دبلوماسية للمغرب؟

“بين المطرقة والسندان”

يقود المغرب حملة دبلوماسية مكثّفة لدفع دول جديدة إلى دعم مواقفه، منذ أن حاز على دعم الإدارة الأميركية في عهد الرئيس دونالد ترامب، بسيادته على الإقليم المتنازع عليه نهاية 2020.

وكان ملك المغرب، محمد السادس، حذّر في أغسطس الماضي، من أن “ملف الصحراء هو النظارة التي ينظر بها المغرب إلى العالم، وهو المعيار الواضح والبسيط، الذي يقيس به صدق الصداقات، ونجاعة الشراكات”. وطالب الدول “أن توضح مواقفها، بشكل لا يقبل التأويل”.

وعلاقات إسبانيا مع المغرب والجزائر تتراوح بشكل دوري بسبب قضية الصحراء الغربية.

وكان الموقف الجديد لمدريد، أثار تململا في العلاقات مع الجزائر التي تعتبر المؤيد الرئيسي لجبهة البوليساريو المطالبة باستفتاء على حق تقرير المصير للشعب الصحراوي.

فبعد أن تعافت علاقات إسبانيا مع المغرب بعد فتور دام لأشهر إثر استقبال مدريد زعيم بوليساريو، إبراهيم غالي، للعلاج، تراجعت علاقاته مع الجزائر، التي عبرت عن رفضها لموقف مدريد الجديد، بتقييد تعاملاتها التجارية معه.

لذلك، يرى المستشار في الرئاسة الصحراوية، لحسن لحريثاني، أن سانشيز، “الذي قرر بشكل مفاجئ العبث بمصير شعب بأكمله أضحى بين المطرقة السندان”.

وفي حديث لموقع الحرة، شدد لحريثاني على أن سانشيز لم يغير “موقفه الشخصي” من الصحراء الغربية، على خلاف ما يمكن استنتاجه من مداخلته العامة أمام الأمم المتحدة.

هذا الموقف قاد لحريثاني للقول بخصوص تغير موقف سانشيز من عدمه إنه “يحاول اللعب على وتر الحياد فقط”.

لحريثاني أشار إلى أنه في حال تغير موقف سانشيز سيكون ذلك تتويجا لجهود معارضة داخلية، وليس “اعترافا منه بالخطأ الجسيم الذي ارتكبه”.

“لا مجال لتغيير المواقف”

لكن المحلل المغربي، أشرف طريبق، يرى أنه “لامجال لتغيير الموقف” لأن مؤشرات التعاون المغربي- الإسباني، التي انبنت عقب تأييد مدريد لمقترح الحكم الذاتي المغربي، أصبحت مرتفعة.

طريبق قال في مقابلة مع موقع الحرة، إن الرباط ومدريد، تستعيدان علاقاتهما بوتيرة متصاعدة، وكشف أنهما تجاوزا أغلب العوائق ووصلا إلى مستوى شراكة وتعاون قد تصل، وفق تقديره، لنسبة 70 في المئة على ما كانت عليه قبل الأزمة الأخيرة بينهما.

أما لحريثاني فيرى أن الضغط الذي مورس داخليا على سانشيز أثر كثيرا عليه وجعله يحاول الإمساك بالعصا من الوسط حتى لا يثير غضب المجتمع الدولي، ولا سيما المؤيدين للشعب الصحراوي.

دليل لحريثاني على ذلك، هو تأكيد سانشيز دعمه للاجئين الصحراويين في تصريح،ـ ينمّ وفقه، عن تغيّر ضمني غير معلن، في موقفه من الملف الصحراوي.

يذكر أن صحيفة “بوبليكو” هي الأخرى أشارت إلى عودة مدريد إلى خطابها السابق، بالنظر إلى مداخلة سانشيز، في نيويورك.

تصريحات أوروبية “مهمة للغاية” حول الصحراء الغربية

قالت صحيفة إسبانية إن التصريحات الأخيرة للممثل السامي للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية،  جوزيب بوريل، تثير قلق في الرباط والأمل لدى جبهة البوليساريو التي تطالب بانفصال الإقليم عن المغرب.

وقالت الصحيفة الإسبانية إن الصيغة التي استخدمها سانشيز تشبه إلى حد بعيد تلك المستخدمة في السنوات الثلاث السابقة. 

وفي عام 2018، تضمنت مداخلة سانشيز الإشارة إلى حق الشعب الصحراوي في “تقرير المصير”، وهو ما أشارت إليه الأمم المتحدة في قراراتها والذي ألغاه سانشيز في السنوات اللاحقة، وفق “بوبليكو” 

“لكن في هذه المناسبة، أضاف زعيم الاشتراكيين بضع جمل أكثر من السنوات الماضية لإظهار دعم الحكومة للاجئين” تضيف الصحيفة.

لكن طريبق أعاد التأكيد في سياق إجابته عن سؤال حول سر عدم تركيز سانشيز خلال مداخلته على موقفه الجديد من الصحراء الغربية بالقول: “هل علينا أن ننتظر من جميع الدول المؤيدة للمقترح المغربي أن تؤكد على ذلك في كل مناسبة؟”.

في الوقت ذاته، أشار طريبق إلى أن الأمم المتحدة ليست منظمة خاصة بقضية الصحراء فقط بل هي هيئة أممية تعنى بجميع مشكلات العالم، ولا سيما تلك الجارية الآن، في إشارة إلى الحرب الروسية على أوكرانيا.

المحلل المغربي علّل رؤيته بالقول إنه لا يمكن استغلال كل حدث للحكم على موقف الدول لأن “الأمر لا يتعلق بحشد دعم الدول إنما بضرورة الوصول إلى نوع من التوافق يفضي إلى الجلوس على طاولة المفاوضات. 

وقال في الصدد إن “مداخلة سانشيز لا تستحق الاستنتاج والقول إن هناك تراجعا بقدر ما هي مدعاة للتأكيد على ضرورة حل هذا النزاع نهائيا”.

وأضاف أن بإمكان أي متابع مغربي التأكيد على أن مدريد لم تغيّر موقفها بدليل أن المبادلات التجارية بين البلدين في تصاعد وأن هناك مشروعا لإعادة إطلاق المبادلات التجارية البرية مطلع يناير المقبل وقال: “هذا دليل على أنه ليس هناك أي تراجع” ثم أصر مؤكدا “بل ليس هناك أي مجال لللتراجع”.

المغرب يعلن سحب اعتراف كينيا بـ”الجمهورية الصحراوية”.. ورئيسها الجديد “يحذف تغريدته”

أعلنت كينيا، الأربعاء، إلغاء اعترافها بـ”الجمهورية الصحراوية”، والشروع في خطوات إغلاق تمثيليتها في نيروبي، بعد استقبال زعيم جبهة البوليساريو، إبراهيم غالي، الثلاثاء. 

أما لحريثاني فيرى أن سانشيز تحاشى ذكر موقفه من ملف الصحراء الغربية لأنه يعلم جيدا أن قرارات الأمم المتحدة تتماشى وحق الشعب الصحراوي في تقرير مصيره، وهو دليل وفقه على أن موقف مدريد مصيره العودة إلى سابق عهده، سواء بقي سانشيز على رأس الحكومة أو رحل.

دليل لحريثاني على ذلك، هو العمل الدؤوب الذي تقوم به فعاليات المجتمع المدني والأحزاب السياسية في إسبانيا، والتي تؤكد في كل مناسبة، تأييدها لإجراء استفتاء حول تقرير المصير، الذي أكدت عليه جبهة بوليساريو منذ عقود.

وتسيطر المملكة المغربية على نحو 80 بالمئة من مساحة الصحراء الغربية وتقترح منحها حكما ذاتيا، في حين تطالب جبهة بوليساريو بإجراء استفتاء لتقرير المصير .

لحريثاني لفت في السياق إلى إعلان سانشيز ترشحه لرئاسة الأممية الإشتراكية وهو دليل وفقه لعدم نيته في رئاسة الحكومة الإسبانية خلال الفترة المقبلة ورأى في ذلك تحضيرا للرأي العام الدولي على أن إسبانيا ستعاود موقفها الحيادي من ملف مستعمرتها السابقة، بعد ذهاب سانشيز، وفق رؤيته.

تعليقا على ذلك، قال طريبق إن قضية الصحراء ليست حبيسة مواقف الدول أو الأشخاص، بقدر ما هي مرتبطة بإطلاق حوار جدي مؤكدا على أن خطاب سانشيز جاء تماشيا مع الموقف العام للدول الأعضاء في جمعية الأمم المتحدة.

خريطة لمنطقة الصحراء الغربية وفقا للأمم المتحدة

وقال: “بروتوكوليا، عندما نتكلم في إطار الأمم المتحدة نتحدث عما يشاركنا جميعا، لأن الدول تختلف حول الصحراء وحول المقترح المغربي”.

ثم تابع “موقف الحل كما تراه المملكة يجب أن يؤكد عليه ممثل المغرب، وليس إسبانيا”.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.